المنجي بوسنينة
56
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
يعتبرها بعضهم معجزات إلهيّة . واعتبرت كتاباته امتدادا للحركة التاريخيّة التي شهدها المطلع الأوّل من عصر النهضة العربيّة ، والتي كان من أبرز روّادها المؤرّخ الروائيّ جرجي زيدان . برع في تشخيص التاريخ العربيّ وفي كتابة روايات تمثيليّة قلّ نظيرها في أدب العرب . فهو من الروّاد المؤرّخين المخضرمين ، عاصر حركة الأدب منذ نهضته حتّى ملامحه الجديدة ، وتمكّن من تطوير الرواية التاريخيّة العربيّة في محاولة لتبسيط لغتها وأسلوبها وإشباعها بروح عصريّة ، فإذا الرواية التاريخيّة معه تخرج من إطارها المعهود ضمن المناخ الكلاسيكيّ المتوارث ، وتحاول أن تؤسّس للملامح الروائيّة الأولى وإن بقي محورها أخبار العرب والأحداث التي عاشتها الحضارة العربيّة منذ العصر الجاهليّ حتّى فجر الإسلام والحكم العبّاسيّ واتّجاهاته الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة . حاول أن يجعل من الرواية فنّا قائما بعينه ، بعد جرجي زيدان ، إذ أعطى الأشقر نكهة خاصّة لتراثيّة الأسلوب الروائيّ السرديّ الواقعيّ لقصص الماضي ، وهذا ما ميّزه عن جرجي زيدان وبعض الكتّاب اللبنانيّين الأوائل الذين تعاملوا مع تراثهم كأنّهم يتعاملون مع أساليب جامدة منقولة نقلا عن بواطن الكتب . واستطاع بأسلوب رشيق ، سلس ، جميل العبارة ، بعيد عن الزخرفة والتنميق أن يقصّ علينا روايات التاريخ العربيّ من الغساسنة إلى مصارع الملوك في الإسلام ، ويشدّ تاريخ العرب والإسلام من دون أن يؤخذ عليه سقطة في كتابته بصدق وعمق بالغين ، مع الحرص دائما على ألّا يخلط الجد بالفكاهة ، وألّا يمزج بين البحث التاريخيّ والحوادث التاريخيّة . والواقع أن هذا الشكل الروائيّ من التاريخ لقي رواجا شديدا ، ورغبت الخاصّة والعامّة في مطالعته . ومن هنا انتشرت مجلّة « الليالي » انتشارا واسعا . أفادت رواياته جميع المسرحيّين اللبنانيّين في أعمالهم وكتّاب المسلسلات التلفزيونيّة في صوغ الحلقات الشائقة التي تكشف عن كنوز الماضي من خلال الذكريات والمشاهدات والصور المعبّرة ، وبذلك يكون قد فتح أمام الجميع أبواب الماضي العربيّ للعودة إليه لدراسة تراثه وشخصيّاته . كانت رواياته شهيرة وفريدة في نوعها ، ينشد فيها صاحبها قصصا من قلمه ينسج مادّتها من خيوط التاريخ العربيّ . كان للخيال فيها دور وللواقع دور . والدور الأكبر للتاريخ مع حرصه على أن لا يزري بهذا الماضي ، لا من بعيد ، ولا من قريب . فلا يبعث بحرمته ، ولا ينتقص من حقيقته ولا يتجنّى على ثوابته . وكان حذقه في حبك العقدة وفكّها مثار إعجاب النقّاد والقرّاء ، وهو حذق لم يعرفه إلّا القليل من أصحاب هذا اللون . أمّا بيانه فبيان كاتب وقف على أسرار العربيّة وألف العديد من كبار كتّابها . وهكذا استطاع أن يذهب في القصّة التاريخيّة إلى أبعد ممّا ذهب إليه جرجي زيدان رائد هذا الفنّ . يشار إلى إنّ الروايات كانت تنشر في مجلّة « الليالي » بترقيم متتال ومتتابع بغية جمعها بسهولة في كتاب كما جرى . كما إنّ المجلّة